محمد طاهر الكردي
416
التاريخ القويم لمكة وبيت الله الكريم
ثم قال المذكور عن زبيدة أيضا بعد بضعة أسطر ما يأتي : وكان من فعلها وحسن سيرتها في الجد والهزل ، ما برزت فيه على غيره ، فأما الجد والآثار الجميلة التي لم يكن في الإسلام مثلها . مثل حفرها العين المعروفة بعين المشاش بالحجاز ، فإنها حفرتها ومهدت الطريق لمائها في كل خفض ورفع وسهل وجبل ووعر ، حتى أخرجتها من مسافة اثني عشر ميلا إلى مكة ، فكان جملة ما أنفق عليها مما ذكر وأحصي ألف ألف وسبعمائة ألف دينار ، وما قدمت ذكره من المصانع والدور والبرك والآبار بالحجاز والثغور ، وإنفاقها الألوف على ذلك ، دون ما كان في وقتها من البذل وما عم أهل الفاقة من المعروف والخصب . وأما الوجه الثاني مما تتباهى به الملوك في أعمالهم وينعمون به في أيامهم ، ويصونون به دولهم ، ويدون في أفعالهم وسيرهم : فهو أنها أول من اتخذ الآلة من الذهب والفضة المكللة بالجوهر ، وصنع لها الرفع من الوشى ، حتى بلغ الثوب من الوشى الذي اتخذ لها خمسين ألف دينار ، وهي أول من اتخذ الشاكرية من الخدم والجواري ، يختلفون على الدواب في جهاتها ، ويذهبون في حوائجها برسائلها وكتبها ، وأول من اتخذ القباب الفضة والآبنوس والصندل ، وكلاليبها من الذهب والفضة ملبسة بالوشى ، والسمور والديباج وأنواع الحرير من الأحمر والأصفر والأخضر والأزرق ، واتخذت الخفاف المرصعة بالجوهر وشمع العنبر ، وتشبه الناس في سائر أفعالهم بأم جعفر . انتهى من الكتاب المذكور . ترجمة الوزير الجواد الأصفهاني الوزير الجواد الأصفهاني هو : جمال الدين أبو جعفر بن علي بن أبي منصور ، وزير صاحب الموصل أتابك زنكي بن آق سنقر ، في الثلث الأول من القرن السادس للهجرة ، فلما قتل الملك المذكور استوزره سيف الدين غازي بن أتابك زنكي ، وفوّض إليه الأمور وتدبير الدولة . قال ابن خلكان : فظهر حينئذ جود الوزير المذكور ، وانبسطت يده ، ولم يزل يعطي ويبذل الأموال ، ويبالغ في الإنفاق حتى عرف بالجواد وصار ذلك كالعلم عليه ، حتى لا يقال : إلا جمال الدين الجواد ، ثم قال : وأثر آثار جميلة ، وأجرى الماء إلى عرفات أيام الموسم ، من مكان بعيد ، وعمل الدرج من أسفل الجبل إلى أعلاه ، وبنى سور مدينة الرسول صلى اللّه عليه وسلم وما كان خرب من مسجده ، وكان يحمل